التفتازاني
49
كتاب المطول
والا فالبشرية في اعتقادهم انما تنافى الرسالة من اللّه تعالى لا من رسول اللّه وقوله ( إذ كذبوا ) اى الرسل الثلاثة مبنى على أن تكذيب الاثنين منهم تكذيب للآخر لاتحاد المرسل والمرسل به والا فالمكذب في المرة الأولى هما اثنان بدليل قوله ( إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ ) اى إلى أصحاب القرية وهم أهل أنطاكية ( اثْنَيْنِ ) وهما شمعون ويحيى ( فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ) اى فقويناهما برسول ثالث وهو بولس أو حبيب النجار ( ويسمى الضرب الأول ابتدائيا والثاني طلبيا والثالث انكاريا و ) يسمى ( اخراج الكلام عليها ) اى على الوجوه المذكورة وهي الخلو عن التأكيد في الأول والتقوية بمؤكد استحسانا في الثاني ووجوب التأكيد بحسب الانكار في الثالث ( اخراجا على مقتضى الظاهر ) وهو أخص مطلقا من مقتضى الحال لان معناه مقتضى ظاهر الحال فكل مقتضى الظاهر مقتضى الحال من غير عكس كما في صور الاخراج لا على مقتضى الظاهر * فان قلت إذا جعلت المنكر كغير المنكر ومع هذا أكدت الكلام وقلت إن زيدا لقائم يكون هذا على وفق مقتضى الظاهر لأنه يقتضى التأكيد وليس على وفق مقتضى الحال لأنه يقتضى ترك التأكيد لكن ترك هذا القسم لكونه غير بليغ فحينئذ يكون بينهما عموم من وجه لا مطلق قلت لا نسلم انه ليس على وفق مقتضى الحال لان المقتضى لترك التأكيد هو الحال بحسب غير الظاهر لا مطلق الحال ولا يلزم من كونه على خلاف مقتضى الحال بحسب غير الظاهر كونه على خلافه مطلقا لان انتفاء الخاص لا يوجب انتفاء العام على أنه لا معنى لجعل الانكار كلا انكار ثم تأكيد الكلام إذ لا يعرف اعتبار الانكار وعدمه الا بالتأكيد وتركه ( وكثيرا ما ) نصب على الظرف أو المصدر اى حينا كثيرا أو اخراجا كثيرا ( يخرج الكلام على خلافه ) اى على خلاف مقتضى الظاهر يعنى ان وقوعه في الكلام كثير في نفسه لا بالإضافة إلى مقابله حتى يكون الاخراج على مقتضى الظاهر قليلا ( فيجعل غير السائل كالسائل إذا قدم اليه ) اى إلى غير السائل ( ما يلوح له ) اى لغير السائل ( بالخبر ) اى يشير اليه ( فيستشرف ) اى غير السائل ( له ) اى للخبر يعنى ينظر اليه . يقال استشرف الشئ إذا رفع رأسه ينظر اليه وبسط كفه فوق الحاجب كالمستظل من الشمس ( استشراف الطالب المتردد نحو ولا تخاطبني في الذين ظلموا ) اى لا تدعني يا نوح في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك فهذا كلام يلوح بالخبر مع ما سبق من قوله تعالى ( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ) فصار المقام مقام ان يتردد المخاطب في انهم هل صاروا محكوما عليهم بالاغراق أم لا ويطلبه فنزل